![]()
في الصباح كنت أفتح عيني، فيستقبل استيقاظي بالغناء. و تسيل موسيقى أنغامه على قلبي. فتذيبه وتكسره معا.. وفي النهار كنت أجلس للدرس والتحبير، فتشمئز نفسي أحيانا من عبوس الكتب، ويثقل يراعي (قلمي) في يدي، كأنه صولجان تنازل عن ملكه، فيأخذ كناريّ في الزقزقة والتغريد. وتأتي جماعة طير من الخارج، فتتوحد التغاريد عند نافذتي، كما تمتزج الألحان في قلب الأمواج. إذ ذاك تبتسم الأفكار على صفحات الكتب أمام ناظري، ويتمايل قلمي تمايل الصفصاف قرب الغدير، وتنجلي الغيوم عن صفحة نفسي و تطرب روحي..
وفي المساء كان الكنار يصمت إجلالا لقداسة الظلام، فيخفي رأسه بين جناحيه، ويجمد جمود المفكر. ساعتئذ تأتي عذارى خيالي محلولة الشعر، وورد الابتسام منور على شفتيها، ومصباح الشعر متقد في يمينها. فتعقد حلقة، وتدور راقصة حول أحلامي، ومنشدة أناشيدها بألحان سرية كأعماق اللجج.. أناشيد عجيبة لم يسمعها إلا خيال روحي المتهادي بين أولئك العذارى والراقصات...
والآن... أنظر إلى القفص. لقد صمت الطائر المغني، وجمد الشعاع المحيي، فلا ترى في القفص إلا قليلا من الشمس المائتة. مات الصغير الغريد، مات صغير حشاشتي. مات عند بزوغ الفجر وقبل انقضاء الربيع، ولم يبق في خاطري إلا أثر من ذلك اللحن المتواضع البديع.. شعاع ذهبي أطل حينا و اختفى في كبد الآفاق.
ابتسامة لطف أشرقت، وما لبثت أن توارت في أخفية الظلام.. نور فكر ضاء، ثم اضمحل في لجج العدم.. وردة أثير تنفست، فعطرت، وأسكرت، ثم ذبلت. نغمة حب تموجت ساعة، ثم تلاشت في هاوية السكينة.
![]()