أمام تزايد خطر التهديدات التي كانت تهدد الإسلام بالمغرب، وأمام
عجز بني مرين للتصدي، وقع تحول هام في نشاط المريدين من أتباع الطرق الصوفية في
المغرب. حيث تنبه مشايخ الطرق الصوفية ومريدوهم إلى ضرورة القيام بعمل إيجابي
لإنقاذ الوجود الإسلامي في المغرب. حول هذا الموضوع يقول الناصري في الاستقصا: "وقد
ألف الناس في ذلك العصر التآليف في الحض على الجهاد والترغيب فيه، وقال الخطباء
والوعاظ في ذلك فأكثروا، ونظم الشعراء والأدباء فيه ونثروا.."
فتحولت هذه الطرق الصوفية في المغرب من تنظيمات دينية إلى تنظيمات سياسية.
وكانت الطريقة الجزولية من أبرز هذه الطرق الصوفية التي أثرت إلى حد بعيد في مجريات الأحداث السياسية. إذ هم من الأوائل الذين ارتبط اسمهم في أذهان الناس بالولاية ولقب الشرفاء. فانتشرت الزوايا والرباطات الجزولية في كل مكان، وكان للجزوليين أثر بعيد في إذكاء الحماس الديني الذي انتفع به الوطاسيون في صراعهم مع البرتغاليين.
وعن الطريقة الجزولية تفرعت مختلف الطرق الأخرى، فحلت الصوفية
محل العصبية القبلية حيث كانت الأساس الذي قام عليه مختلف الدول التي تعاقبت على
الحكم في المغرب، وحل الشرفاء محل السلاطين، حيث إن انتظام الجماهير في مختلف الطرق
الصوفية عمق في نفوسهم معاني الانتماء إلى أهل الإيمان والشرفاء، إذ كانوا في حاجة
ماسة إلى عصبيات جديدة وروابط إنسانية واجتماعية تحل محل الروابط القبلية.
وتذكر المصادر التاريخية
كيف أن الطرق الصوفية اضطلعت بأدوار طلائعية –ومعها جماهير الناس- لصد الغزو
البرتغالي الإسباني. يقول الناصري في "الاستقصا": "ولما نزل بالمغرب الأقصى ما نزل
من غلبة عدو الدين واستيلائه على ثغور المسلمين تباروا في جهاده وقتاله، وأعملوا
الخيل والرجل في مقارعته ونزاله، وتوفرت دواعي الخاصة والعامة منهم على ذلك، وصرفوا
وجوه العزم في تحصيل ما هناك".
ضمن هذه الرؤية يمكن القول بأن الزاوية حلت محل الدولة، والطريقة محل النظام السياسي، والعهد الذي يربط المريد بالشيخ محل الولاء للدولة، وشيخ الطريقة محل رجل الدولة في اعتبار المريدين، وحلت الأحزاب والأذكار والأوراد محل العصب القبلي. وكان لهذه الظاهرة أبعد الأثر في تطور الأحوال في المغرب، وتسارع أحداثه، حيث كانت السبب الرئيس في انتقال الحكم في المغرب إلى الشرفاء من منتصف القرن السادس عشر الميلادي.