المنهاج التربوي للطريقة القادرية البودشيشية   

 

 

 

تنتسب الطريقة القادرية البودشيشية إلى الشيخ مولاي عبد القادر الجيلاني الذي ظهر في القرن الخامس الهجري. أما لقب البودشيشية، فقد اكتسبته بواسطة الشيخ سيدي علي بن محمد الذي حمل لقب "سيدي علي بودشيش" لكونه كان يطعم الناس ـ أيام المجاعةـ طعام "الدشيشة" بزاويته.

 

شيوخ الطريقة

 

من بين شيوخ الطريقة القادرية البودشيشية في المغرب الشيخ سيدي المختار بن محي الدين (ت 1914 ) والشيخ سيدي أبي مدين بن المنور (ت 1957 ). هذا الأخير الذي أخرج الطريقة من مرحلتها التبركية إلى التربوية، وذلك بعد الإذن بالتربية الذي حصله بعد بحث و مجاهدة روحية شاقة.

 

وقد تابع بعده سيدي الحاج العباسي ثم ابنه سيدي حمزة (الشيخ الحالي للطريقة) باعتبارهما الوارثين الروحيين لسيدي أبي مدين؛ وقد عملا على تجديد الطريقة تجديدا متميزا.

 

وللإشارة, فقبيل وفاة سيدي أبو مدين سنة 1955، عين سيدي العباس وارثا لسره، هذا الأخير الذي كان مثالا للتواضع ونكران الذات- لم يعلن هذا الأمر، واستمر في خدمته للطريق سنوات، إلى أن اضطر إلى الاضطلاع بمهام ومقتضيات المشيخة.

وقد كان سيدي حمزة ابن العباس مؤهلا ومأذونا من قبل سيدي أبي مدين للقيام بمهام التربية والإرشاد ، كما أكد ذلك والده سيدي العباس ؛ إلا أنه بقي مريدا لوالده تأدبا معه وامتثالا لإشارته في إخفاء الأمر حتى يحين وقته. وبعد وفاة سيدي العباس سنة 1972 أصبح سيدي حمزة شيخ الطريقة المربي كما نصت على ذلك وصية سيدي العباس المكتوبة والموقع عليها من قبل كبار الطريق.

 

منهاج التربية الروحية

 

لعل ما يميز الطريقة القادرية البودشيشية، أثر الإذن التربوي الخاص الذي يظهر على مريديها، والمناخ الروحي الذي يحيون فيه بتوجيهات الشيخ سيدي حمزة ورعايته القلبية لهم.

 

لقد كان شيوخ التربية - فيما سبق- يتبعون منهج "التخلي" قبل "التحلي" في تربيتهم، وهو منهج يتبع المجاهدة ويتخذها أساسا لترك تعلقات النفس أولا, لكن في هذه الطريقة ينعكس المنهج، فالمريد يتحلى بواسطة الذكر الفردي والجماعي- بالأوصاف المحمودة والأحوال الربانية التي تطرد الأوصاف المذمومة من قلبه، اعتبارا لكون التعلق بالماديات وأسباب الحياة أصبح قويا، خاصة في الوقت الراهن حيث ضعف إيمان الفرد، وقوي البعد عن الروح بطغيان المادة والغفلة.

 

وفي هذا الإطار يقول سيدي حمزة "إن من أهل الله من يدعو إلى التخلي قبل التحلي, ومنهم من يدعو إلى التحلي قبل التخلي. ودعوتنا تبدأ بالتحلي ثم التخلي. ومعنى التحلي تذوق حلاوة كل عبادة، والنفوذ إلى أسرار كل قربة تتقرب بها إلى الله، وتذوق الحلاوة يقابله وجود المرارة أو انعدام الطعم، وما لا طعم له لا يترك إلا لما هو حلو، وما هو أحلى يقدم على غيره. وهكذا تتفاضل الأعمال حسب أثرها من حلاوة الإيمان، إلى أن يجد المدعو نفسه قد تخلى عن كل عمل قبيح, وتلبس بكل عمل مليح، عن طريق الذوق والتجربة المعيشة، وليس بمجرد التخمين والتقليد".

 

ويقول - في موقع آخر-  إن "دعوتنا تبدأ من القلب، فإذا صح القلب، هان ما يليه من الجوارح, وإذا بقي فساده، فلا عبرة بالمظاهر "إنما يتقبل الله من المتقين"، فكم من مصل ليس له من صلاته إلا الركوع، وكم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش، ومن لا يستطيع أن يصلح قلبك، ويوجهه إلى الله عز وجل، ويداوي أمراضه وأسقامه، لا عبرة عند المحققين بدعوته".

 

لذلك يحتل إصلاح القلب الركن الأساسي في هذا المنهاج التربوي الرباني. فالقلب أشبه بالغرفة المظلمة، إذ لا يمكن ترتيب متاعها وتنظيفه إلا بعد إضاءتها بإشعال النور فيها أولا، وهذا هو أسلوب سيدي حمزة بلعباس في التربية الروحية.

 

 

 

 www.tariqa.org